أبو الليث السمرقندي

558

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال : وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ يعني : اهده إلى الحق من الضلالة والشرك . يعني : إنه كان من المشركين في الحال كقوله عز وجل : مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [ مريم : 29 ] يعني : من هو في الحال صبي . ويقال : إنه كان من الضالين حين فارقته كقوله : وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ [ الكهف : 79 ] وهذا الاستغفار حين كان وعده بالإسلام . وقال مقاتل : إن إبراهيم عليه السلام قد كذب ثلاث كذبات ، وأخطأ ثلاث خطيئات ، وابتلي بثلاث بليّات ، وسقط سقطة . فأما الكذبات فقوله : إِنِّي سَقِيمٌ [ الصافات : 89 ] وقوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [ الأنبياء : 63 ] وقوله لسارة حين قال هي أختي . والخطايا : قوله للنجم القمر والشمس : هذا رَبِّي * [ الأنعام : 78 ] وأما البليات : حين قذف في النار ، والختان والأمر بذبح الولد . وسقط سقطة حين دعا لأبيه ، وهو مشرك . وقال غيره : لم يكذب ولم يخطئ ، ولم يسقط ، لأنه قال : إِنِّي سَقِيمٌ يعني : سأسقم ، لأن كل آدمي سيصيبه السقم . وقوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا قد قرنه بالشرط ، وهو قوله : إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ [ الأنبياء : 63 ] وقوله لسارة : هي أخته ، فكانت أخته في الدين . وقوله : هذا رَبِّي * كان على وجه الاسترشاد لا للتحقيق . ويقال : كان ذلك القول على سبيل الإنكار والزجر . يعني : أمثل هذا ربي . وأما دعاؤه لأبيه ، فلوعدة وعدها إياه ، وقد بيّن اللّه تعالى بقوله : وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ [ التوبة : 114 ] - يعني : إن أباه وعده أنه سيؤمن ، فما دام حيا يرجو أو يدعو . وإذا مات ضالا ترك الاستغفار . ويقال : إن إبراهيم كان وعده أن يستغفر له حيث قال : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي فاستغفر له ليكون منجز الوعد « 1 » - ثم قال : وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يعني : لا تعذبني يوم يبعثون من قبورهم ، إلى هاهنا كلام إبراهيم ، وقد انقطع كلامه . ثم إن اللّه تبارك وتعالى وصف ذلك اليوم فقال : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ يعني : يوم القيامة لا ينفع الذي خلفوه في الدنيا ، وأما المال الذي أنفقوا في الخير ، فإنه ينفعهم ، وَلا بَنُونَ يعني : للكفار لأنهم كانوا يقولون : نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً [ سبأ : 35 ] ، فأخبر اللّه تعالى أنه لا ينفعهم في ذلك اليوم المال ولا البنون ، وأما المسلمون فينفعهم المال والبنون ، لأن المسلم إذا مات ابنه قبله يكون له ذخرا وأجرا في الجنة ، وإن تخلف بعده ، فإنه يذكره بصالح دعائه ، فينفعه ذلك . ثم قال : إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يعني : من جاء بقلب سليم يوم القيامة ينفعه المال والبنون . ويقال : إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ، فذلك الذي ينفعه ، والقلب السليم : هو القلب المخلص . وقال ابن عباس : « يعني : بقلب خالص من الشرك » .

--> ( 1 ) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة : « أ » .